الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
91
تفسير روح البيان
والوقوع في الزمان أو للتراخى في الاخبار لا في الوقت فان الشائع في الجمل ان يراد بها نفس مفهومها الا انه قد يراد بها الاخبار . بمفهومها كما تقول فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل والمراد بالتراخي مجرد الترتيب مجازا لظهور ان حقيقة التراخي منتفية بين الاخبارين ضرورة ان الاخبار بالتفصيل وقع عقيب الاخبار بالاحكام أو يقال بوجود التراخي باعتبار ابتداء الخبر الأول وانتهاء الثاني والفعلان من قبيل قولهم سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل يعنى انه لم يكن البعوض كبيرا أولا ثم جعله اللّه صغيرا لكنه كان ممكنا فنزل هذا الإمكان منزلة الوجود كما في شرح الهندي على الكافية مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ صفة ثانية للكتاب وصف أولا بجلالة الشان من حيث الذات ثم وصف من حيث الإضافة . ولدن بمعنى عند لكنها مختصة بأقرب مكان وعند للبعيد والقريب ولهذا تقول عندي كذا لما تملكه حضرك أو غاب عنك ولا تقول لدى كذا الا لما هو بحضرتك . والحكيم الخبير هو اللّه تعالى حكيم فيما انزل خبير بمن أقبل على امره أو اعرض عنه أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ مفعول له حذف منه اللام مع فقدان الشرط اعني كونه فعلا لفاعل الفعل المعلل بناء على القياس المطرد في حذف حرف الجر مع أن المصدرية كأنه قيل كتاب أحكمت آياته ثم فصلت لأجل ان لا تعبدوا الا اللّه اى تتركوا يا أهل مكة عبادة غير اللّه وتتمحضوا في عبادته دل على أن لا مقصود من هذا الكتاب الشريف الا هذا الحرف الواحد فكل من صرف عمره إلى سائر المطالب فقد خاب وخسر إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ كلام على لسان الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم . قوله منه اما حال من نذير وبشير اى كائنا من جهة اللّه تعالى أو متعلق بنذير اى أنذركم من عذابه ان كفرتم اى بقيتم على الكفر وعبادة غير اللّه تعالى وأبشركم بثوابه ان أمنتم وتقديم النذير لان التخويف هو الأهم إذ التخلية قبل التحلية وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ عطف على أن لا تعبدوا سواء كان نهيا أو نفيا وان مصدرية وسوغ سيبويه ان توصل ان بالأمر والنهى لان الأمر والنهى دالان على المصدر دلالة غيرهما من الافعال والاستغفار طلب المغفرة وهي ان يستر على العبد ذنوبه في الدنيا ويتجاوز عن عقوبته في العقبى ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ثم أخلصوا التوبة واستقيموا عليها كما في بحر العلوم للسمرقندى وقال في الإرشاد المعنى فعل ما فعل من الاحكام والتفصيل لتخصوا اللّه بالعبادة وتطلبوا منه ستر ما فرط منكم من الشرك ثم ترجعوا اليه بالطاعة انتهى فثم أيضا على بابها في الدلالة على التراخي الزماني ويجوز ان يكون ثم لتفاوت ما بين الامرين وبعد المنزلة بينهما من غير اعتبار تعقيب وتراح فان بين التوبة وهي انقطاع العبد اليه بالكلية وبين طلب المغفرة بونا بعيدا كذا ذكره الرضى قال الفراء ثم هاهنا بمعنى الواو لان الاستغفار توبة انتهى يقول الفقير فرقوا بينهما كما قال الحدادي عند قوله تعالى وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ اى بالتوبة الصادقة وشرطت التوبة لان الاستغفار لا يكون توبة بالإجماع ما لم يقل معه تبت وأسأت ولا أعود اليه ابدا فاغفر لي يا رب يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً انتصابه على أنه مصدر بمعنى تمتيعا حذف منه الزوائد . والتمتيع جعل الشخص متمتعا منتفعا بشئ . والمعنى يعيشكم عيشا مرضيا لا يفوتكم فيه شئ مما تشتهون ولا ينغصه شئ من المكدرات إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إلى آخر الأعمار المقدرة وتموتوا على فرشكم - كما حكى - ان اللّه